كارثة نجم فليد يجب ألا تتكرر

كارثة نجم فليد يجب ألا تتكرر

في الحلقة الخامسة من #جريندايزر بعنوان “حب في أمسية المجد”، وقف دايسكي أعلى برج مركز الأبحاث ينظر للقمر، ودخل عليه دكتور أمون فدار الحوار التالي:

دايسكي: أبي، القمر الأحمر ثانية!

أمون: دايسكي..

دايسكي: أكره التفكير بأن وجودي على الأرض يدفعهم لإثارة كل هذه المشاكل.

أمون: لا تعجل يا دايسكي، حتى غيابك لا يثنيهم عن إحداث المشاكل على وجه الأرض.

دايسكي: أدري (يغمض عينيه بقوة ويسترجع مشاهد الحرب ومقتل والديه، ثم يفتحهما ويتحرك بتأزم)

أمون (يضع كفه على كتف دايسكي: دايسكي، طالما توجد قوات فيجا فالأرض في خطر، كارثة نجم فليد يجب ألا تتكرر!

هذا الحوار كان من أروع وأقوى حوارات المسلسل، لأنه بين بوضوح دواخل دايسكي، الألم، الشعور بالذنب تجاه الأرض، تحمله لمسؤولية لم يخترها بنفسه، معاناته النفسية وذكريات الحرب التي لا تفارقه.

كما أن هذا الحوار يوضح العبء والرسالة التي كلف بها دايسكي ليس فقط بوحي أخلاقه ودوافعه الشخصية؛ ولكن بتكليف واضح من دكتور أمون الذي تبناه ومنحه فرصة الحياة مجددًا كأرضي.

نجد هذه الرسالة حاضرة بقلب دايسكي، وقد ذكرها بعد موت نايدا بوضوح في نهاية الحلقة 25 بعنوان “زهرة حب أينعت في العلاء”: “نايدا، أقسم بأنني سأقضي على قوات كوكب فيجا لكي لا تتكرر مأساة كوكبنا فليد، وحتى يعم السلام هذا الكون”.

وحبن اتخذ دايسكي قراره بالخروج لتدمير قاعدة فيجا بمفرده في الحلقة 73 بعنوان “إكرامًا لهذه الأرض الرائعة” قالها كذلك: “لا توجد حاجة لأن تمر هذه الأرض الجميلة بمحنة الكوكب فليد، لا لريد لها مصيرًا كمصير الكوكب فليد”.

وفي وقت سابق في الحلقة 42 بعنوان “حالة طوارئ في مركز أبحاث الفضاء”, ورد مشهد مشابه لمشهد الحلقة 5 لكن على نحو عكسي، دكتور أمون يقف وهو مهموم أمام النافذة، دايسكي يدخل عليه ويدور الحوار المتأزم حول تشغيل العقل الإلكتروني، في هذا الحوار يتأزم دايسكي حين يسمع أمون يقول: “لقد بدأ هذا المركز يتحول لأداة حرب، سأضع حدًا لهذا إن أمكن، لن أقبل أبدًا تشغيل العقل الإلكتروني بسهولة”، وعندما يظهر ضيق دايسكي يكمل أمون: “دايسكي، ماذا يقلقك، لا تهتم، أحد ما يجب أن يقاوم قوات فيجا، استعددت لذلك، لهذا أعدت بناء المركز، لكن من الصعب أن أنسى حلمًا قديم، هذه هي المشكلة الوحيدة، وعلي التصدي لها، يجب أن أتصدى لها يا دايسكي، وأنت معي”.

الحوار الأخير فيه انعكاس واضح للأدوار، وفيه يحمل أمون عبء مسؤولية الدفاع عن الأرض، ويضحي في سبيل ذلك بأحلامه وشغفه كعالم، ويطلب أيضًا دعم دايسكي له، لكن المؤكد أن الرجلين في الموقفين كانا يشعران بالتأزم، وبثقل واجب التضحية الذي يسحق أحلامهما وحياتهما ورغباتهما.

كل ما تلا جملة أمون في الحلقة 5 وعلى مدار حلقات كثيرة جاء كتأكيد لوعد ضمني قطعه دايسكي على نفسه لدكتور أمون – هذه الجمل والحوارات تفسر الكثير جدًا في الحلقة 72 محل النزاع بين الجمهور:

لماذا وقف دايسكي مهمومًا في الشرفة؟

لماذا تحرى عن عرض روبينا وذهب للقائها رغم تنبيه أمون؟

لماذا بدا وكأنه يقبل عرضها وهي تحتضر؟

لماذا صرخ بقوة بعد موتها؟

ولماذا نسيها في الحلقة التالية ولم يركز إلا على إنقاذ الأرض؟

كما أن هذه الرسائل تفسر بوضوح القيمة الدرامية للزواج السياسي الذي ورد ذكره في الحلقة 72.

في البداية نجد تشابهًا بصريًا بين مشهد دايسكي وحيدًا مهمومًا في الشرفة بعد لقائه بروبينا، ومن ثم دخول بقية أفراد الفريق عليه، بالضبط كمشهد وقوفه مهمومًا في الحلقة 5, وكمشهد أمون محبطًا في الحلقة 42, تفس أسلوب التعبير البصري، وكأننا نرى دايسكي أمامنا يجتر الماضي بعبئه وألمه، أو أننا نسمع صوته الداخلي يقول: “أكره التفكير بأن وجودي على الأرض يدفعهم لإثارة كل هذه المشاكل! لماذا لا يدعوني أعيش بسلام؟ أرغب بحياة سلم على هذه الأرض الخضراء” الجميل أن المشهد لم يتضمن Flashback للحرب، والحلقة بأكملها لم تتضمن هذه اللقطات في مفارقة حادة، ربما لأنه من المفترض أننا نعرف بأن هذه الذكريات لا تفارق دايسكي، أو أن دايسكي الذي شفي حديثًا من جرحه بدأ يتعافى نفسيًا كتعافيه الجسدي، او أن ضيق وقت الحلقة والحاجة لمشاهد أكثر جعلت صناع العمل يراهنون على عمق معرفة الجمهور بدواخل دايسكي، الأسباب الثلاثة واردة ولا دليل عليها.

لكن المؤكد أن نزول الأميرة روبينا للأرض ولقاءها بدايسكي قد أعاده للاختبار من جديد، في ذاكرة دايسكي كان هناك مخطط لزيجة سياسية لحفظ سلام كوكب فليد، هذه الزيجة لم تتم والنتيجة كانت دمار الكوكب، الآن الأرض بدل فليد، وروبينا تعرض عليه تحالفًا أو زواجًا لإنهاء الحرب، وتشير ضمنيًا لنتيجة الرفض: “لو استمرينا في الحرب فإن الأرض بكاملها ستدمر وليس فوات كوكب فيجا وحدها”، وبغض النظر عن دوافع روبينا ونواياها والمعلومات التي اختارت أن تشاركها مع دايسكي أو تغض الطرف عنها -بغض النظر عن كل ذلك فقد وجد دايسكي نفسه أمام نفس المعادلة:

إما أن بتزوج روبينا فتنجو الأرض، أو يرفض عرضها فتلقى الأرض مصير الكوكب فليد.

من البديهي جدًا أن دايسكي الذي قال: “حتى لا تتكرر مأساة كوكبنا فليد” و “لا أريد للأرض مصيرًا كمصير الكوكب فليد” – من المؤكد أنه سينشغل بالأمر، ستشعله المعادلة، سيهتم ويظهر الكدر على وجهه، هو يقلب المعادلة يمينًا يسارًا، يسأل تفسه:

  • لو قبلت وتزوجتها فما الذي يضمن بقاء الأرض سالمة؟
  • ألم أقبل سابقًا ورغم ذلك تدمر فليد وقتل والدي؟
  • هل بإمكاني تحمل مجازفة الرفض؟
  • وما الضامن إن قبلت؟

وهنا تأتي إشارة الزواج السياسي لتلعب دورها، فلو كان ما بين دايسكي وروبينا حبًا عميقًا وكان كل واحد منهما هو اختيار الآخر لاختلف شكل لقائهما ولبدا دايسكي مجروحًا بسبب فعل والدها وليس مهمومًا.

من الصعب أن تقرر الزواج بابنة عدوك التي تحبها ويدي والدها ملطخة بدماء والديك، هذا شعور مؤلم وجارح، لكن أن تشعر بالهم والثقل فهذا شعور من هو مضطر للقبول، والحب لا يأتي بهذا الاضطرار أبدًا، الاضطرار يعني وجود مصلحة من وراء هذا الزواج الذي ترفضه النفس ويتأذى منه القلب، والهم يأتي من صراع العقل والقلب، العقل يقول: ربما هي صادقة وهذا هو الحل لإنهاء الأزمة، والقلب يقول: اكره الارتباط بابنة عدوي وأنا لي حياة أخرى أحببتها وألفتها (وهذا تفسير مقاطعته لها بكلمة “لكن”)، فيرد العقل: أنت تحمل رسالة عظيمة تستحق منك التضحية بحياتك وليس فقط بقلبك، فيصمت القلب منكسرًا وعاجزًا أمام منطق العقل.

وهنا نعود لمشهد القارب تحديدًا، في المشهد لم يظهر دايسكي حاسمًا في رغبته بالزواج من الأميرة، بل بدت عليه المفاجأة من الفكرة، والاستنكار المبدئي، ثم محاولة غزل ومجاملة للخروج من موقف متأزم، لماذا اختار السيناريو مشهدًا كهذا بالتحديد؟ 

لو كان هدف السيناريو أن يمرر لنا كمشاهدين معلومة الزواج السياسي برضا الطرفين لقدم مشهدًا أوضح، لو أراد تأكيد الخطبة لتذكر دايسكي مشهدًا منها، لو أراد تأكيد الحب والاختيار لاكتفى بحوار حميمي بينه وبين الأميرة دون حديثها عن رغبة والدها بزفها له واستنكاره.

هذا يعني أن المشهد يحاول تمرير رسالة معينة لنا كمشاهدين: تأكيد الزواج السياسي كصفقة، فرحة روبينا ومباركتها، تردد دايسكي واستنكاره.

والآن نعود للشرفة فنسمع صوت دايسكي الداخلي يتساءل أيضًا:

  • هل كنت جبانًا وتخاذلت عن دوري كأمير فيما مضى حين استنكرت وتباطأت في زواجي من روبينا؟
  • ألهذا السبب عوقب فليد بالدمار؟
  • هل علي تجنب هذا لاحقًا؟
  • لماذا سمحت روبينا بدمار فليد إن كانت تريد السلام؟
  • وأين كانت طوال تلك السنين؟
  • ولماذا الآن؟
  • ثمت معلومة مفقودة أنا بحاجة إليها لأفهم، وأتخذ قراري، لن أضحي بالأرض، لن أخسر مرتين، لن أكرر الخطأ ذاته.

لهذا يتخذ قراره بالذهاب إليها، هو يريد أن يعرف، ومفتاح ما يعرفه هو بالضبط ما ذكره لكوجي: “لو لم تكن الحرب لكنت أنا وروبينا..”، قالها وأغمض عينيه بألم، دايسكي بريد أن يذهب لكي يعرف، لكي تتضح الصورة ويتمكن من اتخاذ قراره، هو بحاجة لمعرفة سبب اشتعال الحرب في فليد إذا كان هو قد قبل بزواجها، أو أن دايسكي بقي على استنكاره فاشتعلت الحرب وشعر هو بأنه المسؤول عن ذلك، من يدري، فلا وجود لأي دليل خطبة مكتملة، كلها إرهاصات في القصة، لا في جاتايجر الفيلم أو المانجا كانت خطيبته، ولا في الأنيمي ولا المانجا المرافقة لها سواء مانجا جوساكا أوتا أو مانجا ناجاي وأوكازاكي، ولا حتى جريندايزر جيجا، ولا المازينجر بايبل، كلها إرهاصات وردت في مانجا جاتايجر والأنيمي، وفي مانجا جاتايجر دليل قاطع على أنها لم تتم، وعلى الأغلب هي كذلك في الأنيمي أيضًا، فقط بعض صفحات المعجبين توكد على الخطبة بدون دليل، وعلى أساسها عرضت كخطيبته في جريندايزر يو.

ثم تموت روبينا فتأتي الصرخة التي تحرر كل هذه الضغوط، ويليها هدوء وسكينة، لقد ماتت روبينا وبطلت حجة العقل وارتاح القلب، لقد أغلق الملف للأبد سواء على فليد أو على الأرض، ولهذا نجد دايسكي يتخذ قراره في الحلقة التالية بشجاعة ويقين ورضا وحب للأرض، فيقول: “إكرامًا لهذه الأرض الرائعة”، هو هنا يعرف طريقه جيدًا، لا صراع بين عقله وقلبه فكلاهما على قلب رجل واحد.


اشترك في موقع هيكارو ماكيبا – 牧葉 ひかる وكن أول من يقرأ جديد المقالات

Subscribe to get the latest posts sent to your email.

اترك تعليقًا

روايات جريندايزرية - اقرأ وحمل مجانًا

هيكارو ماكيبا

موضوع هذه المدونة هو الأنمي الياباني الشهير UFO Robot Grendizer والذي أنتج بين عام 1975 و 1977 ودبلج للعربية في مطلع الثمانينات باسم “مغامرات الفضاء جريندايزر” ، كما دبلج لغيرها من اللغات مثل الفرنسية والإيطالية والإنجليزية.

Translate »